عبد الكريم الخطيب

17

التفسير القرآنى للقرآن

الغثّة الباردة حوله . . لقد أخزاهم قولهم فيه : « إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ » . . وقولهم : « أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا » - لقد أخزاهم هذا القول ، ولم يجدوا له بينهم أذنا تسمع ، أو إنسانا يصدّق . . فجاءوا إلى ما حول القرآن ، لا إلى القرآن نفسه ، إذ لم يجدوا للزّور فيه مقالا ، وبدا لهم أن الصورة التي ينزل عليها القرآن ، يمكن أن ينظروا إليها على أنها دليل على العجز ، والقصور ، وعلى معاودة النظر ، ومعاناة البحث ، حتى يقع النبىّ على الكلمات المناسبة ، والظرف المناسب ، ثم يطلع على الناس بها . هذا ، وإلّا لما ذا جاء هذا القرآن منجّما هكذا ، تتنزّل آياته قطرات قطرات ، ولا تنزل جملة واحدة ؟ إنه لو كان هذا القرآن من عند اللّه لأنزله اللّه جملة واحدة ، إذ أن قدرة اللّه لا يكون منها هذا العجز البادي في نزول القرآن قطعا متناثرة ! . . هكذا فكروا وهكذا قدّروا . . وإنه لبئس التفكير ولبئس التقدير ! وفي قولهم « نُزِّلَ » بدل أنزل ، الذي يناسب قولهم : « جُمْلَةً واحِدَةً » . لأن « نُزِّلَ » يفيد تقطيع الفعل ، ووقوع النزول حالا بعد حال - في قولهم هذا تعريض بالتهمة التي يتّهم بها القرآن عندهم ، وهو أنه نزّل لا أنزل ، فهم يحكون الصورة التي نزل عليها القرآن ، ثم ينكرونها بقولهم : « جُمْلَةً واحِدَةً » . . وقد ردّ سبحانه وتعالى عليهم هذا الإنكار ، مبيّنا الحكمة من نزول القرآن منجّما ، على هذا الأسلوب ، بقوله سبحانه : « كَذلِكَ . . لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً » . فقوله تعالى : « كَذلِكَ » - إشارة إلى الصورة التي نزل عليها القرآن . .